حبيب الله الهاشمي الخوئي
425
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
أن يطلع عليها أحد بحواسه وعقله لعدم وجودها بعد ، كموت زيد بعد سنة مثلا وليس العلم به وانتقاش ذهن أحد بمثله ممكنا في زمان الرؤيا إلَّا أن يكون صورا ونقوشا مسطورة في ذهن عال من موجود عالم بالغيب غيرنا وغير من في عالمنا ، فيدرك الانسان بعقله أن في الوجود عالما غير عالمنا وفي ذلك العالم علماء بما لم يوجد بعد وليس ما رآه النّائم في منامه إلَّا مأخوذا من ذلك العالم وليست الرؤيا أوهاما وخيالات باطلة لا أصل لها دائما إذ لو كان كذلك لم يكن ينطبق على الحقيقة ولم يكن للرؤيا تعبير أصلا وبالجملة أدرك الانسان بحسّه المشترك عالما آخر غير هذا العالم الجسماني ، وعرف أنّ نفسه يناسب ذلك العالم في الجملة حيث يرتبط به ويأخذ منه ، وهذا باب واسع حقّقه الحكماء خصوصا الشيخ أبو عليّ بن سينا في الإشارات . ثمّ بعد الاعتقاد بوجود عالم ما غير هذا العالم المادي المحسوس زال الاستعجاب من كلّ ما أخبرنا به الأنبياء وأصحاب النواميس الإلهية من بقاء الرّوح ودخولها في عالم آخر وتمتّعها باللذات وانتفاعها بالمشتهيات هناك ولا يتصوّر أن يكون سعادة الموجود الكامل الرّوحاني أدنى وأقلّ من الانسان المخلوط من الرّوح والجسم كما أنّ سعادة الانسان المخلوط ليس أقلّ من سعادة الجمادات ، فان عرف الانسان انه مستعدّ لادراك تلك السعادة العظمى اشتدّت حسرته من فواته وخاف من موت قلبه المانع من النيل بتلك السعادة أشدّ من خوف أهل الدّنيا من الموت الطبيعي ، ولذلك قال أمير المؤمنين عليه السّلام عليهم : وهم أشدّ إعظاما لموت قلوب احيائهم . وإذا انتهينا إلى ذلك حقّ لنا أن نختم الكلام بالدّعاء لجميع من تصدّى لترويج الدين وتعليم المؤمنين بالتوفيق والسداد ، ولم نذكر مما اختلج في الذّهن حين قراءة الخطبة من نكتة علمية ودقّة عقلية لئلَّا نخرج من سياق الكتاب ، فانّ الشّارح رحمه اللَّه اكتفى بما هو سهل الوصول قريب المأخذ من رواية تاريخية وحكاية أدبية أو حديث في الأخلاق وتفسير يتعلَّق بظواهر الألفاظ وغير ذلك مما يفيد أكثر الناس